Minab

الفصل 3

توماهوك كان موجَّهًا: لماذا لم تكن ضربة مدرسة ميناب خطأً

استخدم الأمريكيون صاروخ توماهوك لضرب مدرسة ميناب الابتدائية. اسم صاروخ توماهوك مأخوذ من كلمة توماهوك، وهي فأس صغير أو ساطور يُنسب تقليديًا إلى شعوب أمريكا الشمالية الأصلية. لكن هذا الاسم ليس تفصيلًا محايدًا. إنه يحمل سخرية تاريخية مريرة. فهؤلاء هم أنفسهم سكان أمريكا الأصليون الذين شُرّدوا ونُزعت ملكيتهم وأُبيدوا مرارًا على يد المستوطنين التوسعيين وناهبي الأراضي والباحثين عن الذهب الذين قتلوهم في طريق الغزو. وأخذ كلمة من ثقافتهم ومنحها لأداة حديثة من أدوات الدمار العسكري يقول أكثر مما يبدو للوهلة الأولى. فبالنسبة لمن يتأمل جيدًا، حتى اسم هذا الصاروخ يحمل إشارات كثيرة: إلى الغزو، والذاكرة المسروقة، والظل الطويل للعنف المتخفي وراء لغة عسكرية مصقولة.

صواريخ توماهوك ليست أسلحة عمياء. تصف البحرية الأمريكية طراز توماهوك بلوك IV/V بأنه صاروخ كروز دقيق بعيد المدى، يُوجَّه بواسطة أنظمة INS وTERCOM وDSMAC وGPS، ومزوّد باتصال ساتلي ثنائي الاتجاه يتيح للضباط متابعته أثناء الطيران، وإعادة توجيهه، وتغيير هدفه، والتحليق فوق المنطقة، واستخدام كاميرته المدمجة لإرسال معلومات مرئية عن الأضرار بعد الإصابة. أي أن بمقدور القادة تتبّع الصاروخ حتى اللحظات الأخيرة قبل الاصطدام. وحين يكون الهدف مدرسة ابتدائية، تُميّزها فصول دراسية وجدران مطلية ورسوم أطفال ومرافق ملعب وشكل واضح لمبنى مدرسي، فإن الادعاء بـ“الخطأ” يستدعي تدقيقًا جادًا. ففي ميناب، ضرب صاروخا توماهوك المدرسة خلال ساعات الدوام، وقتلا 156 طفلًا ومعلمة. إن تقنية الدقة لا تمحو المسؤولية، بل تزيدها حدّة.

وصف البحرية الأمريكية لصاروخها في حد ذاته أمر مهم، لأنه لا يقدّم توماهوك بوصفه سلاحًا عشوائيًا لا يُتحكَّم فيه. بل يقدّمه بوصفه صاروخ كروز بعيد المدى، دون سرعة الصوت، يعمل في جميع الأحوال الجوية، ويُستخدم للهجوم البري العميق، ويُطلق من السفن السطحية والغواصات. وتذكر البحرية أيضًا أن طراز بلوك IV يمكن إعادة برمجته أثناء الطيران عبر اتصال ساتلي ثنائي الاتجاه، وإعادة توجيهه إلى إحداثيات هدف عبر نظام GPS، وجعله يحلّق فوق منطقة الهدف. كما تقول البحرية إن كاميرته المدمجة يمكنها تزويد القادة بمعلومات عن الأضرار بعد الإصابة. وبالنسبة لطراز بلوك IV/V، تُدرج البحرية نظام التوجيه على أنه INS وTERCOM وDSMAC وGPS. (البحرية الأمريكية)

وهذا أمر ذو دلالة أخلاقية. وذو دلالة قانونية. وذو دلالة تاريخية.

لا يمكن الحديث عن سلاح يمكن إعادة توجيهه أثناء الطيران بالطريقة نفسها التي يُتحدث بها عن حجر يسقط. ولا يمكن التعامل مع صاروخ تُوجّهه عدة أنظمة ملاحية وكأنه هام عشوائيًا في السماء. إن نظام ضرب صُمّم من أجل الدقة يخلق واجب عناية أعلى، لا أدنى. فكلما زعم السلاح دقة أكبر، ازداد ثقل المسؤولية حين يدمّر مدرسة.

تُستخدم كلمة “خطأ” أحيانًا بعد سقوط قتلى مدنيين وكأنها تنهي السؤال. لكن في حالة كميناب، ينبغي أن تكون بداية السؤال. إن كان الصاروخ موجَّهًا، فمن وجّهه؟ وإن كان الهدف قد اختير، فمن اختاره؟ وإن كان المسار قد خُطِّط له، فمن أقرّه؟ وإن كان بالإمكان مراقبة الصاروخ، فماذا رأى من راقبه؟ وإن كان بالإمكان إعادة توجيهه، فلماذا لم يُعَد توجيهه؟ وإن كان بالإمكان التعرّف على مدرسة من شكلها ومحيطها وملامحها المدنية الواضحة، فلماذا ضُربت؟

التقنية بذاتها لا تجيب عن هذه الأسئلة. لكنها تمنع الأمريكيين من الاختباء وراء الجهل بسهولة.

INS: نظام الملاحة بالقصور الذاتي

INS، أو نظام الملاحة بالقصور الذاتي، هو أحد أساليب الملاحة الأساسية للصاروخ. يعمل عبر قياس حركة الصاروخ بعد الإطلاق: تسارعه، اتجاهه، سرعته، والتغيرات في موقعه. ببساطة، يتيح نظام INS للصاروخ أن “يتذكر” نقطة انطلاقه ويحسب إلى أين يتجه. وهو لا يحتاج إلى إشارات خارجية مستمرة كما يحتاج نظام GPS، ما يجعله مفيدًا حين تكون الإشارات الساتلية ضعيفة أو مشوَّشة أو غير متاحة. وفي صاروخ توماهوك، يُعدّ INS جزءًا من بنية توجيه أوسع. فهو ليس عقل الصاروخ بأكمله، لكنه أحد الأنظمة التي تُبقي الصاروخ على مساره المقصود.

TERCOM: مطابقة تضاريس الأرض

يساعد نظام TERCOM، أو مطابقة تضاريس الأرض، صاروخ الكروز على الملاحة عبر مقارنة الأرض التي يحلّق فوقها ببيانات تضاريس مخزَّنة. فقبل إطلاق الصاروخ، يمكن لمخططي المهمة إعداد مسار باستخدام خرائط ومقاطع تضاريس. وأثناء تحليق الصاروخ منخفضًا فوق الأرض، يقرأ شكل التضاريس تحته ويقارنه بالمعلومات المخزَّنة. وتصبح الجبال والوديان والسواحل والتغيرات في الارتفاع جزءًا من منطق الملاحة الخاص بالصاروخ. وهذا أحد أسباب قدرة صواريخ الكروز على التحليق على ارتفاع منخفض واتباع مسارات معقدة. فـTERCOM ليست حركة عشوائية، بل تتبّع مسار قائم على معرفة جغرافية مُعدَّة سلفًا.

DSMAC: المطابقة الرقمية للمشهد

نظام DSMAC، أو المطابقة الرقمية للمشهد، هو نظام مطابقة بصرية. يقارن ما يراه الصاروخ بصور مرجعية مخزَّنة لمنطقة الهدف. وببساطة، يساعد DSMAC الصاروخ على التعرّف على ما إذا كان المشهد أسفله يطابق المشهد المتوقَّع. وهذا مهم بوجه خاص في المرحلة الأخيرة من الطيران، حين تكون الدقة أكثر أهمية. فإذا كانت منطقة الهدف تحتوي على مبانٍ وطرق وأشكال وأنماط بصرية معروفة، يمكن لـDSMAC أن يساعد في تأكيد موقع الصاروخ. وهذا يجعل فكرة الضربة “العمياء” أصعب في القبول دون تحقيق. فنظام يقارن المشاهد لا يحلّق فقط نحو اتجاه غامض، بل يتحقق من البيئة البصرية مقابل بيانات مُعدَّة سلفًا.

GPS: نظام تحديد المواقع العالمي

يمنح GPS، أو نظام تحديد المواقع العالمي، الصاروخ بيانات موقع ساتلية. ويتيح للسلاح أن يتجه نحو إحداثيات محددة. وفي الحروب الحديثة، غالبًا ما يُربط GPS بالدقة لأنه يمكن أن يوجّه الأسلحة إلى نقطة محددة على الأرض. وتذكر البحرية الأمريكية أن صواريخ توماهوك من طراز بلوك IV يمكن إعادة توجيهها إلى إحداثيات هدف عبر نظام GPS أثناء الطيران، من خلال اتصال ساتلي ثنائي الاتجاه. أي أن الصاروخ لا يُطلق فقط نحو وجهة ثابتة ثم يُنسى. فوفقًا لما تصفه القدرات المعلنة للسلاح على الأقل، يمكن للقادة تحديث هدفه وهو لا يزال في الجو. (البحرية الأمريكية)

معنى الدقة

كثيرًا ما تُقدَّم الدقة كتحسّن أخلاقي في الحروب. تقول الحكومات إن أسلحة الدقة تقلل من الخسائر المدنية. وتقول إن أنظمة التوجيه الحديثة تتيح لها ضرب الأهداف العسكرية فقط. وتقول إن هذه الأسلحة ليست كأسلحة الحرب القديمة التي كانت تسقط على مساحات واسعة وتقتل دون تمييز.

لكن للدقة معنى آخر.

فإن كان السلاح دقيقًا، قلّت أعذار من يستخدمه. وإن كان بالإمكان توجيه الصاروخ وتصحيح مساره وإعادة توجيهه ودعمه بصريًا، فلا يمكن التغاضي عن تدمير مدرسة بلغة غامضة. الأمر يتطلب أسماء ووثائق وأوامر وملفات أهداف وبيانات طيران وسجلات اتصال وتحقيقًا مستقلًا.

المدرسة الابتدائية ليست مخبأً سريًا. وليست مركبة مدرعة متحركة. وليست مركز قيادة عسكري متنكرًا في الصحراء. للمدرسة إيقاع مدني. يدخلها الأطفال في الصباح. يقف المعلمون أمام السبورات. تتدلى الحقائب من أكتاف صغيرة. تُعلَّق الرسوم على الجدران. الملاعب والفصول وباحات المدرسة وأصوات الأطفال تمنح المكان هويته.

لهذا فإن هجوم ميناب ليس مأساة فحسب. إنه اتهام موجَّه إلى لغة الحرب الحديثة.

الصاروخ لم يكن أعمى.

الأطفال كانوا مرئيين.

المدرسة كانت حقيقية.

ولا يمكن دفن المسؤولية تحت كلمة “خطأ”.

أحد الأشخاص الذين يتناولهم هذا الفصل

ماكان نصيري
القبر الفارغ