Minab

الفصل 2

حين يُسمّى قتل المدنيين خطأ

للحرب لغتها الخاصة في التملّص. حين يموت المدنيون، لا تكون الكلمات الأولى غالبًا أطفال، أو أسر، أو بيوت، أو مدارس. بل تكون الكلمات الأولى عادة أكثر برودًا: خطأ، سوء تحديد الهدف، معلومات استخباراتية خاطئة، ضرر جانبي، درع بشري، خطأ مأساوي. هذه الكلمات لا تُحيي الموتى. لكنها كثيرًا ما تحمي الساسة الأقوياء الأحياء من المساءلة.

وتقف هذه المأساة أيضًا في سجل أطول من موت المدنيين: رحلة إيران إير 655 التي قُتل فيها 290 شخصًا عام 1988، وملجأ العامرية في العراق الذي احترق فيه المئات أحياء عام 1991، والوفيات المدنية الجماعية في الفلوجة عام 2004. والسؤال ليس ما إذا كان الصاروخ دقيقًا. السؤال هو لماذا اختيرت مدرسة أصلًا.

الحالات أدناه ليست متطابقة. فقد وقعت كل منها في حرب مختلفة، تحت قيادات مختلفة، بأسلحة مختلفة، وبتفسيرات رسمية مختلفة. لكنها تشترك في نمط مؤلم واحد: مات مدنيون، وخفّفت اللغة الرسمية الأولى من وقع الفعل، وجاءت المساءلة بطيئة أو ضعيفة أو لم تأتِ إطلاقًا.

بصراحة، كتبتُ أكثر من هذا بكثير، لكن أصدقائي نصحوني بالتركيز على الموضوع الرئيسي. فلو أردتُ الكتابة عن جرائم الحرب الأمريكية، لكان ذلك كتابًا منفصلًا.

رحلة إيران إير 655، 1988

في 3 يوليو 1988، أسقطت المدمرة الأمريكية فينسنس رحلة إيران إير 655 فوق الخليج الفارسي. قُتل جميع من كانوا على متنها، 290 شخصًا، من بينهم أطفال. وقالت الولايات المتحدة إن الطاقم أخطأ في تمييز طائرة الإيرباص A300 المدنية عن مقاتلة إيرانية من طراز F-14. هل يصدّق أحد ذلك؟ هل تشبه طائرة الإيرباص A300 مقاتلة F-14 أصلًا؟ ولم تعترف الولايات المتحدة رسميًا حتى بمسؤوليتها القانونية. وبالنسبة للإيرانيين، تبقى هذه الحادثة من أوضح الأمثلة على كيفية وضع كارثة مدنية تحت لغة “الخطأ” بينما يبقى الجرح الأخلاقي الكامل مفتوحًا. (موسوعة بريتانيكا)

قصف ملجأ العامرية، العراق، 1991

في 13 فبراير 1991، خلال حرب الخليج، قصفت طائرات أمريكية ملجأ العامرية للغارات الجوية في بغداد. ووصفته منظمة هيومن رايتس ووتش بأنه أكبر حادثة فردية لمقتل مدنيين خلال الحملة الجوية، إذ ذكرت تقارير عراقية أرقامًا تتراوح بين 200 و300 مدني قُتلوا، بينما تشير روايات أخرى إلى ما يفوق 400. وزعمت الولايات المتحدة أن الملجأ كان يُستخدم كمركز قيادة وسيطرة عسكرية، بينما أفادت هيومن رايتس ووتش بأن المبنى كان معروفًا محليًا كملجأ مدني وكان يُستخدم من قبل مدنيين كثر خلال الحرب. لذا لم يكن الدفاع الرسمي “ضربنا مدنيين عمدًا”، بل “اعتقدنا أن الهدف عسكري”. هذا الفارق لم ينقذ من كانوا بالداخل. (هيومن رايتس ووتش)

لامرد، إيران، 2026

حتى في الحرب ذاتها، لم تكن ميناب المأساة المدنية الوحيدة. ففي 28 فبراير 2026، وبعد الهجوم على مدرسة ميناب بوقت قصير، ضربت ضربة أخرى مدينة لامرد في محافظة فارس. وقالت التقارير إن الهجوم أصاب صالة رياضية ومدرسة ومناطق سكنية مجاورة، ما أسفر عن مقتل 21 شخصًا وإصابة نحو 100 آخرين. وحدد محللو الأسلحة والتحقيقات الذخيرة على أنها على الأرجح صاروخ الضربة الدقيقة الأمريكي الصنع (PrSM)، المصمم للانفجار فوق الأرض ونثر شظايا فتاكة. وكما في جرائم حرب أخرى ارتكبتها الولايات المتحدة، نفت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) المسؤولية الأمريكية وأوحت بأن السلاح إيراني، لكن خبراء دحضوا هذا التفسير، مستندين إلى شكل الصاروخ ونمط انفجاره الجوي ومساره وخصائصه المعروفة كصاروخ PrSM. وهنا مرة أخرى، كان النمط مألوفًا: قُتل مدنيون، أُنكرت المسؤولية، ودُفع عبء إثبات الحقيقة بعيدًا عمن أطلق النار.

السفينة “دنا” الإيرانية، المحيط الهندي، 2026

وفي الحرب ذاتها أيضًا، لم يقتصر العنف على الأراضي الإيرانية. ففي 4 مارس 2026، أغرقت غواصة أمريكية السفينة الحربية الإيرانية دنا قرب سريلانكا وهي عائدة من مناورة ميلان 2026، وهي مناورة بحرية متعددة الجنسيات استضافتها الهند. (برس تي في؛ رويترز) لم تكن السفينة تهاجم الولايات المتحدة في تلك اللحظة، وكانت بعيدة عن ساحة القتال الرئيسية، وكانت عائدة من فعالية بحرية دبلوماسية. وأكد الجيش الإيراني لاحقًا مقتل 104 بحارة وإصابة 32 آخرين أنقذتهم القوات السريلانكية، فيما لم يُعثر إطلاقًا على رفات 20 من أفراد الطاقم. (برس تي في) ووصفت الولايات المتحدة “دنا” بأنها هدف عسكري، لكن هذا التفسير لا يجيب عن السؤال الأخلاقي الأعمق: لماذا عُوملت سفينة عائدة لا كمركب يجب إيقافه أو أسره أو تعطيله، بل كهدف يجب إغراقه؟ والأكثر إزعاجًا كانت الأسئلة التي أعقبت الضربة. فقد نفذت القوات السريلانكية عملية الإنقاذ، بينما تجادل خبراء قانونيون حول ما إذا كانت الولايات المتحدة قد بذلت جهدًا كافيًا لمساعدة الناجين، كما يقتضي قانون الحرب البحرية. ولاحقًا، تناقلت التقارير مزاحًا لترامب بأن إغراق السفن الإيرانية كان “أكثر متعة” من أسرها. تكشف هذه اللغة القسوة الكامنة وراء العملية: حين تتحول الحرب إلى تسلية لمن هم في السلطة، لم يعد يُنظر إلى الموتى كبشر. ففي “دنا”، كما في ميناب، كان النمط واحدًا: استُخدمت القوة أولًا، وجاءت الإنسانية لاحقًا، ودُفنت المسؤولية تحت مفردات عسكرية.

النمط

تُظهر هذه الحوادث أن موت المدنيين ليس دائمًا حادثًا عرضيًا في الحرب. فأحيانًا تُستخدم القوة العسكرية لكسر روح مجتمع: لبث الخوف، وإفراغ البيوت، وتدمير القرى، وجعل الناس العاديين يشعرون بأنهم محاصَرون. ونرى المنطق ذاته في غزة، حيث دُمّرت مدينة بأكملها، وفي جنوب لبنان، حيث تضررت قرى كثيرة بشدة أو مُحيت من الحياة الطبيعية.

لكن هذا الأسلوب لم ينجح حقًا قط. قد يُسكت الخوف الناس للحظة، لكنه لا يمحو الذاكرة ولا الهوية ولا المقاومة. فقد يعاني مجتمع تحت الهجوم معاناة عميقة، لكن المعاناة لا تعني الاستسلام.

لهذا لا يمكن اختزال ميناب في تفسير رسمي واحد. فالمدرسة ليست هدفًا خفيًا. والفصل الدراسي ليس ساحة معركة. والأطفال ليسوا جنودًا. وحين تُضرب مدرسة ابتدائية، لا يقع عبء الإثبات على الموتى، بل على من أطلقوا الصاروخ.

قد تحاول لغة الحرب أن تخفف من وطأة الجريمة، لكن على الذاكرة أن تستعيد الكلمات الحقيقية:

ليس ضررًا جانبيًا.

بل أطفال.

ليس حادثًا مؤسفًا.

بل مدرسة.

ليس خطأً يُنسى.

بل جرح يطالب بالحقيقة.

أحد الأشخاص الذين يتناولهم هذا الفصل

محمد شریفی
الطفل الذي ركض لينقذ آخر