مقدمة
هناك كتب تُكتب لأن كاتبها راودته فكرة. وهناك كتب تُكتب لأن التاريخ يطالب بشاهد. هذا الكتاب من النوع الثاني.
هذا كتاب عن ميناب.
على مر التاريخ، خيضت حروب كثيرة، ودوّن المؤرخون أسبابها ونتائجها وانتصاراتها وهزائمها ومعاهداتها وحدودها. أما ما يُدوَّن أقل من ذلك فهو ألم الناس العاديين. وما يُنسى بسهولة مفرطة هو معاناة الأبرياء والجرائم التي ترتكبها القوى الغازية بحق من لم يكن لهم أي دور في قرارات الحرب.
كثيرًا ما تقدّم الولايات المتحدة نفسها بوصفها صاحبة أقوى قوة عسكرية عرفها التاريخ البشري. ولعل هذا الادعاء صحيحًا من حيث السلاح والتقنية والمال ومدى الوصول. لكن هناك سؤالًا آخر لا بد من طرحه: هل وُجدت قط قوة عسكرية أكثر وحشية في طريقة تعاملها مع أرواح الآخرين؟
بُنيت هذه الدولة منذ نشأتها على دماء السكان الأصليين لأمريكا، أولئك الذين قُتلوا وشُرّدوا ومُحيت آثارهم كي يتمكن المستوطنون الأوروبيون في الغالب من بناء ما أسموه لاحقًا “الحلم الأمريكي”. ومنذ ولادتها، استخدمت الولايات المتحدة القوة مرارًا خارج حدودها سعيًا وراء الهيمنة. وحملت كل حرب اسمًا مختلفًا وذريعة مختلفة: الحرية، الأمن، الديمقراطية، حقوق الإنسان، مكافحة الإرهاب، الاستقرار. لكن خلف هذه الكلمات، كانت هناك غالبًا دوافع أخرى: السيطرة على المنافسين، النفط، الموقع الجغرافي الاستراتيجي، التوسع العسكري، والسلطة الإمبراطورية.
لكن النتيجة كانت في الغالب واحدة: مدنيون يُقتلون، أسر تتحطم، مدن تُدمَّر، ثم تُخفى الجريمة تحت لغة رسمية، وكالعادة، جرائم حرب بلا أي عواقب.
بعد كل كارثة، تُقدَّم تفسيرات جديدة. يقولون إنه كان خطأً. يقولون إن الاستخبارات كانت مغلوطة. يقولون إن الهدف حُدِّد خطأً. يقولون إن سقوط المدنيين أمر مؤسف. يقولون إن التحقيقات لا تزال جارية. تكررت كلمة “خطأ” حتى كادت تفقد معناها. لم تعد تبدو تفسيرًا. أصبحت تبدو درعًا.
إن تفحُّص كل جريمة من هذا النوع بتفصيل، وإثبات النية وراء كل واحدة منها، يتطلب سنوات من العمل. لكن حتى نظرة متأنية على التاريخ الحديث تكشف نمطًا مروِّعًا. القتل الجماعي ليس دائمًا إخفاقًا في الحرب. أحيانًا يصبح أداة من أدواتها. يُستخدم لترويع مجتمع، لكسر روحه، لمحاصرته بالخوف، ولإرغامه على الخضوع.
أحيانًا تحقق هذه الطريقة نتائج مؤقتة. أحيانًا يستطيع الخوف أن يُسكت شعبًا للحظة. لكن حين يُستخدم ضد أمة ذات ذاكرة عميقة وتاريخ وكرامة، فإنه يفشل. ضد شعب كالإيرانيين، لا يمكن أن ينتج عنه استسلام. بل ينتج عنه حزن وغضب ومقاومة وعار لمن ارتكب الجريمة.
عند كتابة هذا الكتاب، وعلى الرغم من الأدلة، لم تتخذ الهيئات الدولية المختصة إجراءً فعّالًا. بعد ثلاثة أشهر من الجريمة، لا يزال المسؤولون العسكريون الأمريكيون يزعمون أن التحقيقات لا تزال جارية. وهذا غير معقول. فسواء أُطلق الصاروخ أم لم يُطلق، لا يحتاج الأمر إلى أشهر من الغموض. بل يحتاج إلى إجابة بسيطة ممن أطلقوا السلاح وتتبعوه وتحكموا فيه. التأخير ليس تحقيقًا. إنه تهرّب.
في هذا الكتاب، نحاول أن نُظهر أن ميناب لم تكن خطأً معزولًا. إنها جزء من نمط أكبر. ننظر إلى حالات أخرى قُتل فيها مدنيون، واستُخدمت فيها لغة “الحادث” لتخفيف المسؤولية. ننظر إلى السلاح، ويوم الهجوم، والأدلة، وشهادات الشهود، ومعاناة الأسر التي لا تُطاق. والأهم من كل ذلك، ننظر إلى الأطفال: زهور ميناب البريئة، التي قُطفت قبل أن يتاح لأحلامها وقت لتتفتح.
لم يُكتب هذا الكتاب طلبًا لشفقة الأقوياء. ولم يُكتب توسلًا لاعتذار. فما من اعتذار يمكن أن يُعيد طفلة إلى أمها. وما من بيان يمكن أن يعيد بناء فصل دراسي. وما من تحقيق، مؤجَّل ويسيطر عليه المسؤولون أنفسهم، يمكن أن يمحو الجريمة.
كُتب هذا الكتاب كي لا ينسى التاريخ.
ميناب اليوم جرح في قلب أكثر من تسعين مليون إيراني، وفي ضمير كل إنسان حر في العالم. قد تُنفق الغطرسة العالمية والسلطة الإمبراطورية المال، وتصوغ العناوين، وتشتري الصمت، لكنها لا تستطيع أن تغسل هذا العار عن جبينها. وجوه الأطفال باقية. أسماؤهم باقية. أحلامهم باقية.
وما دامت الذاكرة باقية، فإن الجريمة لن تُدفن.